تنطلق هذه الدراسة من مفارقة تختصر حال منظومة الزراعة والغذاء في الأردن: بلدٌ استطاع أن يحافظ على استقرار إمداده الغذائي خلال سلسلة من الصدمات المتتابعة، دون أن يلمس المستهلك نقصاً فعلياً في أيّ من السلع والمواد بالرغم من أنه يستحيل عليه أن ينتج كامل غذائه أو أن يصل للاكتفاء الذاتي في ظل الظروف والتحديات البنيوية. يحكم المنظومةَ بأكملها محدِّدان بنيويان راسخان؛ أولهما شحٌّ حادّ في المياه، إذ لا يتجاوز نصيب الفرد من المياه المتجددة نحو 61 متراً مكعباً سنوياً وهو من أدنى المستويات عالمياً، وثانيهما اعتمادٌ هيكلي على الاستيراد، إذ يستورد الأردن نحو 97% من الحبوب و100% من السكر والأرز وغالبية الزيوت النباتية واللحوم الحمراء والأعلاف. وهذا الانكشاف وليد طبيعة تكوين المنظومة لا سوء إدارتها. غير أنّ العوامل الثلاثة التي صنعت هذا الاستقرار والمتمثلة باحتياطيات مرتفعة من السلع ومانحين متجاوبين عند الحاجة، وتوفر مخصصات مالية حكومية للدعم، باتت جميعها تحت ضغط متزايد منذ عام 2020؛ بدءاً من جائحة كوفيد-19، إلى الحرب الروسية–الأوكرانية، فأزمة الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر، وصولاً إلى النزاعات الإقليمية والدولية الأخيرة وما رافقها من إغلاق مضيق هرمز عام 2026. ومن هنا يتحدّد سؤال الدراسة الجوهري: إلى أي مدى يمكن لهذه الشروط أن تستمر خلال السنوات المقبلة؟ وعلى هذا الأساس تُعيد الدراسة صياغة سؤال الغذاء في الأردن، فالقضية ليست بلوغ اكتفاء ذاتي مستحيل بحكم محدودية الموارد، بل بناء منظومة مرنة، تستطيع امتصاص الصدمات دون أن تنكسر، وتتعافى دون أن تُفاقم الضغوط الاجتماعية أو المالية، وتتكيّف مع مستقبل تتزايد فيه تقلّبات المياه والمناخ والجغرافيا السياسية وميزانيات المانحين. فالمرونة (Resilience) بهذا المعنى هي الشرط اللازم للأمن الغذائي في ظلّ ندرة الموارد، وتقيسها الدراسة بأبعادها الخمسة المعتمَدة: Robustness (قدرة الأنظمة على الصمود)، وRedundancy (وجود أنظمة احتياط وتوفر سعة إضافية)، وResourcefulness (قدرة الأنظمة على حشد الموارد)، وResponsiveness (الاستجابة)، وRecovery (التعافي). ويستند التشخيص إلى إطار يرسم خريطة الهشاشة عبر أربعة محاور هي: الموارد الطبيعية، والتجارة والاستيراد، والإنتاج، والحوكمة. وتخلص الدراسة إلى أنّ المياه ومعها الطاقة هي المحدِّد الأساسي؛ إذ يُفقد نحو 41% من إمداد المياه قبل وصوله إلى المستهلك في صورة فاقد فنّي وإداري قابل للاسترداد، ويُحدث مشروع تحلية ونقل المياه من العقبة إلى عمّان تحوّلاً في الحال الراهن، ولكنه ينقل جزءاً من الانكشاف من المياه نحو الطاقة، أمّا الاستيراد فيبقى المُثبِّت الرئيس للمنظومة ومصدرها الأكبر للمخاطر في آن واحد، ويبرز الإنتاج بوصفه بوابة فرص للسلع عالية القيمة لا أداة اكتفاء، فيما تظلّ الحوكمة مرهونةً برفع كفاءة التنسيق التنفيذي بين الوزارات. وتعمل هذه المحاور الأربعة بوصفها منظومةً واحدة تنتقل الصدمة في أحدها إلى البقية، وهو ما جسّده مساران حديثان هما: أزمة باب المندب والبحر الأحمر التي تحوّلت إلى صدمة لوجستية في العقبة أعقبها ارتفاعٌ في كلفة الواردات، ثم النزاعات الإقليمية والدولية الأخيرة وما رافقها من إغلاق مضيق هرمز وقفزة في أسعار النفط عالمياً وتوقّف لإمدادات الغاز من حقل ليفياثان الذي يُغذّي نحو 60% من توليد الكهرباء. وتظهر مراجعة قطاع الصناعة أن الصناعات الغذائية هي محور القيمة المضافة الأهم (نحو 2.6 ألف منشأة، وإنتاجٌ قائم يقارب 4.5 مليار دينار، وصادراتٌ بلغت 926 مليون دينار في 2025 إلى 114 دولة) كما أنّ فيه فجوات تجارية واسعة تفتح مجالات للعمل على إحلال مستوردات وتشجع على توجيه استثمارات قابلة للاستمرار محلياً. وينبثق من هذا التحليل ثمانية اتجاهات ذات أولوية لصنّاع القرار، رُتّبت بناءً على نقاط الرفع (أعلى عوائد متوقعة) وليس بناءً على ترتيب القطاعات على النحو التالي: تكامل قرارات المياه والطاقة والزراعة بدءاً من تسعير مشروع العقبة–عمّان وربط أوقات الضخّ بفائض الطاقة، تعميق مأسسة الأمن الغذائي وإطلاق مؤشّر وطني له، ترقية الاحتياطي الاستراتيجي من مقياس تغطية كمّي إلى معيار مرونة لوجستية، توحيد أدوات القدرة الشرائية الغذائية في منظومة استهداف واحدة، تعميق المنتجات عالية القيمة وإحلال المستوردات الموجَّه للتصدير، بناء قدرات المزارعين على كفاءة الريّ والتقنيات الحديثة، تحصين مسار المياه–الطاقة أمام الصدمات الجيوسياسية، وأجندة بحث تطبيقي مصاحبة، كما تُواءِم هذه الاتجاهات ركيزتَي رؤية التحديث الاقتصادي 2022–2033 وهما: جودة الحياة القائمة على غذاء مستقر وميسور الكلفة، والنمو المستدام القائم على تحويل المعرفة الزراعية الغذائية إلى صادرات ووظائف.


